سهيلة عبد الباعث الترجمان

686

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

مصدر الوجود ، ومنشىء الأكوان ، فليس من المحال إذن أن يخلق ما يشاء ، ويبرز من العدم إلى الوجود ما ليس له وجود من قبل ، إذ أنه من شأن القوة الذاتية أن تبرز المعلومات من علمه الغيبي إلى علمه العيني الشهادي ، فيكون الإيجاد والحالة هذه على المقتضى العلمي الحكمي . فالعالم العيني ليس إلّا مجلى هذه المعلومات وإبراز أعيانها الموجودة في العدم ، لأنه تعالى قد علمها موجودة في علمه من عدم . ويحدد الجيلي مفهوم هذه القدرة الذاتية الموجدة للموجودات من العدم فيقول فيها : " القدرة قوة ذاتية لا تكون إلّا للّه ، وشأنها إبراز المعلومات إلى العالم العيني على المقتضى العلمي ، فهو مجلى تجلّي أي مظهر أعيان معلوماته الموجودة من العدم لأنه يعلمها موجودة من عدم في علمه ، فالقدرة هي القوة البارزة للموجودات من العدم ، وهي صفة نفسية ، بها ظهرت الربوبية ، وهي أعني القدرة عين هذه القدرة الموجودة فينا ، فنسبتها إلينا تسمى قدرة حادثة ، ونسبتها إلى اللّه تعالى تسمى قدرة قديمة ، والقدرة في نسبتها إلينا عاجزة عن الاختراعات ، وهي بعينها في نسبتها إلى اللّه تخترع الأشياء وتبرزها من كتم العدم إلى شهود الوجود " « 1 » . وقد أوضح أحد شراحه معقبا على قوله بالخلق من العدم مستندا إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم " كان اللّه ولا شئ معه " فكل شيء ممحوّ بنور ذاته ، لهذا فقد صحّ ما قاله المحقق الغوث سيدي عبد الكريم الجيلي " من أن القدرة إيجاد المعدوم عينا وعلما " . لأنه رضي اللّه عنه فسرّ القدرة بأنها قوة ذاتية لا تكون إلا للّه ، والقوة الذاتية لا تدخل تحت قوة العلم ، ويشهد على ذلك قوله تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً « 2 » فلو كان معلوما لكان مذكورا ، فحكم الذات بمقتضى الإطلاق سابق لرتبته على التعين العلمي والعيني ، حيث أن له القبلية في ذاته علما وعينا كما قال اللّه تعالى لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ « 3 » وقبليته تلزمنا أن نحكم على ما سواه بالوجود من عدم علما وعينا ، فوجود المخلوقات على هذا من " عدم محض " إلى علم لا سبيل

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 57 . ( 2 ) سورة الإنسان ، الآية : 1 م . ( 3 ) سورة الروم ، الآية : 4 ك .